Tag: القوة الناعمة

  • المؤتمرات الكبرى بالمغرب تحتاج إلى أرشيف سمعي بصري يواكب حجم الإنجاز

    المؤتمرات الكبرى بالمغرب تحتاج إلى أرشيف سمعي بصري يواكب حجم الإنجاز

    يشهد المغرب خلال السنوات الأخيرة تطوراً لافتاً في حجم ونوعية الفعاليات الدولية والوطنية التي تحتضنها مختلف مدنه، ما عزز موقع المملكة كوجهة مهمة للمؤتمرات والقمم والتظاهرات الكبرى.

    ويُنظم المغرب سنوياً أكثر من 1200 فعالية في المجالات العلمية والتجارية، إلى جانب نحو 60 حدثاً حكومياً ودبلوماسياً رفيع المستوى، فيما بلغ عدد المؤتمرات الدولية المصنفة وفق معايير الجمعية الدولية للاجتماعات والمؤتمرات 55 مؤتمراً، بحسب المعطيات الواردة في المقال.

    وتبرز جهة مراكش-آسفي، وخاصة مدينة مراكش، كإحدى أهم الوجهات المغربية لاحتضان الفعاليات الدولية، بعدما استضافت مؤتمرات وتظاهرات كبرى، من بينها مؤتمر الأطراف حول تغير المناخ COP22، والاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إضافة إلى الجمعية العامة لمنظمة الشرطة الجنائية الدولية «الإنتربول» وغيرها من الأحداث الدولية.

    هذا الحضور لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكم جهود مؤسساتية ورؤية استراتيجية عززت قدرة المغرب على تنظيم تظاهرات ذات طابع دولي.

    وقد أشاد الملك محمد السادس، في خطاب بمناسبة ذكرى عيد العرش، بقدرة المؤسسات المغربية على تنظيم التظاهرات القارية والدولية بشكل جيد، معتبراً أن ذلك جعل المغرب محل تقدير وإعجاب على المستوى الدولي.

    إنجاز كبير يحتاج إلى توثيق يليق به

    رغم هذا التطور، يطرح تنظيم هذه الفعاليات سؤالاً آخر يتعلق بكيفية توثيقها وأرشفتها وتسويقها إعلامياً.

    فالكثير من المؤتمرات والقمم الكبرى التي تحتضنها المملكة تنتهي بانتهاء برنامجها، بينما لا يحظى محتواها السمعي البصري دائماً بالمستوى نفسه من الاهتمام الذي يحظى به التنظيم اللوجستي للحدث.

    وتبرز أهمية هذا الجانب بشكل خاص في ظل غياب قاعدة رقمية رسمية وشاملة تجمع مختلف التظاهرات الكبرى التي احتضنها المغرب، وتتيح للباحثين والإعلاميين والجمهور الوصول إلى أرشيف احترافي ومتعدد اللغات لهذه الفعاليات.

    الأرشيف السمعي البصري ليس مجرد تسجيل لما حدث، بل يمثل جزءاً من الذاكرة المؤسساتية للبلد، كما يشكل مادة يمكن إعادة استخدامها في الترويج للمغرب وقدرته على استضافة فعاليات دولية جديدة.

    البث المباشر يبدأ قبل انطلاق الحدث

    تسويق أي مؤتمر أو قمة دولية لا ينبغي أن يبدأ مع افتتاح الجلسة الأولى، بل قبل ذلك بوقت كافٍ.

    ويمكن، في هذا الإطار، إعداد مواد سمعية بصرية قصيرة تعرف بالمدينة المستضيفة، ومواقع الإقامة، ووصول الوفود، إضافة إلى تصريحات لشخصيات دولية مشاركة، مع توفير هذه المواد بلغات مختلفة وإتاحتها للقنوات والمؤسسات الإعلامية الدولية.

    كما يمكن استثمار مرحلة ما قبل الحدث لإنتاج محتوى رقمي يعرّف بالموضوع الذي يناقشه المؤتمر وبأهم الشخصيات المشاركة فيه، بما يساعد على بناء اهتمام مسبق لدى الجمهور ووسائل الإعلام.

    أما البث المباشر، فيفترض أن يعكس حجم الحدث من خلال جودة الصورة والصوت وتعدد زوايا التصوير والترجمة الفورية أو المحتوى متعدد اللغات، حتى يصبح البث نفسه أداة للترويج للمغرب.

    الجودة التقنية جزء من صورة المغرب

    في الفعاليات الكبرى، لا تقتصر الصورة التي تصل إلى الجمهور على ما يحدث فوق المنصة، بل تشمل أيضاً طريقة تصوير الحدث وإخراجه وبثه.

    ولهذا فإن الاعتماد على إمكانات محدودة في تصوير مؤتمرات تستقطب شخصيات ووفوداً دولية، أو نقلها بجودة لا تتناسب مع حجم الحدث، قد يحد من القيمة الإعلامية والتسويقية التي يمكن تحقيقها من وراء هذه التظاهرات.

    ومن شأن الاستثمار في الإنتاج السمعي البصري الاحترافي أن يخلق أيضاً فرصاً أمام شركات الإنتاج والتقنيين والمصورين والمخرجين ومهندسي الصوت والإضاءة، إلى جانب شركات تجهيزات البث والتصوير والشاشات التفاعلية.

    كما يمكن أن يساهم اعتماد معايير واضحة للجودة في خلق منافسة قائمة على الكفاءة والخبرة والابتكار، بدل التركيز فقط على تقليص تكلفة التغطية.

    الأرشيف استثمار طويل الأمد

    تنظيم مؤتمر دولي كبير يتطلب موارد مالية ولوجستية وبشرية مهمة، لكن قيمة هذه الاستثمارات لا تنتهي بمجرد إسدال الستار على الحدث.

    فالمواد التي يتم إنتاجها خلال المؤتمر يمكن أن تظل لسنوات أداة للتعريف بقدرة المغرب على احتضان الفعاليات الدولية، كما يمكن استخدامها في ملفات الترشيح لاستضافة مؤتمرات وقمم جديدة.

    ومن هنا، فإن إنشاء أرشيف رقمي وطني أو مؤسساتي للفعاليات الكبرى، يتضمن تسجيلات كاملة، وملخصات، وصوراً عالية الجودة، ومقابلات، ومواد تعريفية متعددة اللغات، يمكن أن يشكل رصيداً مهماً للذاكرة الوطنية وللترويج الدولي للمملكة.

    كما يمكن لهذا الأرشيف أن يخدم الباحثين ووسائل الإعلام والمؤسسات الأكاديمية، وأن يوفر مادة موثقة حول مراحل مهمة من الحضور المغربي في الفعاليات الدولية.

    إن نجاح المغرب في استقطاب المؤتمرات والقمم الكبرى يستحق مواكبة إعلامية وسمعية بصرية بالحجم نفسه. فالتنظيم الجيد يصنع الحدث، لكن التوثيق الاحترافي يحفظ أثره ويمنحه حياة أطول.