وجّه إدريس الإدريسي انتقادات حادة إلى واقع التعليم في المغرب، معتبراً أن اعتماد الفرنسية في التعليم ساهم في تراجع المدرسة المغربية، وداعياً إلى إصلاح شامل للمنظومة التعليمية.
وقال الإدريسي، في منشور له، إن «الفرنسة دمرت التعليم وأتت على المدرسة المغربية من القواعد»، معتبراً أن تراجع المغرب في تصنيف برنامج التقييم الدولي للطلبة PISA يمثل، بحسب تعبيره، «جرس إنذار».
وأضاف أن استمرار الوضع الحالي، من وجهة نظره، يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة لإصلاح منظومة التعليم، داعياً إلى العودة إلى التدريس باللغة العربية، التي وصفها في منشوره بـ«لغة الوحي».
واعتبر الإدريسي أن عدم اتخاذ إجراءات عاجلة لإصلاح المنظومة سيجعل المغرب، بحسب تعبيره، «يظل يتخبط في هذا الوحل إلى أن يشاء الله».
وتأتي هذه التصريحات في سياق النقاش المتواصل في المغرب حول لغة التدريس، وموقع اللغة الفرنسية في المنظومة التعليمية، ومستوى أداء التلاميذ المغاربة في التقييمات الدولية.
ويُذكر أن ما ورد في هذا المقال من مواقف بشأن أثر الفرنسة وضرورة العودة إلى التدريس بالعربية يمثل وجهة نظر صاحب المنشور، ولا يُقدَّم باعتباره نتيجة بحثية مستقلة.
كشفت نتائج برنامج التقييم الدولي للتلاميذ PISA 2025 عن صورة مقلقة لأداء المنظومة التعليمية المغربية، بعدما سجل التلاميذ البالغون 15 عاماً نتائج متواضعة في المجالات الثلاثة التي يقيسها الاختبار: الرياضيات والقراءة والعلوم.
وسجل المغرب 355 نقطة في الرياضيات، و321 نقطة في الفهم القرائي، و358 نقطة في العلوم. وبالمقارنة مع دورة 2022، تراجعت النتائج بـ10 نقاط في الرياضيات و18 نقطة في القراءة و7 نقاط في العلوم، مع اعتبار التراجع في العلوم غير دال إحصائياً.
لكن الأرقام الأكثر إثارة للقلق لا توجد فقط في متوسط النقاط، وإنما في نسبة التلاميذ الذين لم يتمكنوا من بلوغ الحد الأدنى من الكفاءة.
فوفق معطيات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، يمثل التلاميذ الذين يوجدون دون المستوى الأساسي في العلوم 77.2% من المشاركين في المغرب، بينما تكشف النتائج أن نسبة كبيرة من التلاميذ تواجه صعوبات مماثلة في الرياضيات والقراءة. وعلى مستوى المجالات الثلاثة مجتمعة، يوجد نحو 73.2% من التلاميذ المغاربة دون المستوى الثاني، مقابل 19.7% فقط في متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
المشكلة أكبر من ترتيب في جدول
هذه النتائج تجعل اختزال النقاش في سؤال: «كم نقطة حصل عليها المغرب؟» أمراً غير كافٍ.
فـPISA لا يقيس حفظ الدروس فقط، وإنما يختبر قدرة التلميذ البالغ 15 عاماً على توظيف معارفه ومهاراته في مواقف واقعية. ولذلك فإن استمرار النسب المرتفعة من التلاميذ الذين لا يصلون إلى المستوى الأساسي يطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة المدرسة المغربية على ضمان الحد الأدنى من التعلمات التي يحتاجها التلميذ في حياته ودراسته ومستقبله المهني.
وفي القراءة تحديداً، يبدو التراجع أكثر وضوحاً، إذ انتقل المغرب من 339 نقطة سنة 2022 إلى 321 نقطة سنة 2025. أما الرياضيات فتراجعت من 365 إلى 355 نقطة، والعلوم من 365 إلى 358 نقطة.
والأكثر دلالة أن النتائج المغربية لا تعكس فقط مشكلة مرتبطة بدورة واحدة، إذ تشير بيانات OECD إلى تراجع الأداء مقارنة أيضاً بالسنوات السابقة من مشاركة المغرب في البرنامج.
هل يمكن تحميل الوزير وحده مسؤولية هذه النتائج؟
هنا يبدأ الجزء السياسي من النقاش.
من السهل تحميل وزير التربية الوطنية الحالي مسؤولية كل ما كشفه تقرير PISA، خصوصاً أن الوزارة هي الجهة الحكومية المسؤولة عن القطاع. لكن من الناحية الموضوعية، سيكون من غير الدقيق القول إن وزيراً واحداً تسبب في هذه النتائج.
التلاميذ الذين خضعوا لتقييم PISA 2025 هم نتاج سنوات طويلة من التعليم والتكوين والسياسات العمومية، وليسوا نتاج سنة واحدة أو ولاية وزير واحد.
لكن ذلك لا يعني إعفاء المسؤول السياسي الحالي من المساءلة.
فالوزير لا يُحاسب فقط على المشاكل التي ورثها، وإنما أيضاً على قدرته على تشخيصها، وتصحيح مسار الإصلاح، ووضع أهداف قابلة للقياس، ثم تحقيق نتائج يمكن للمجتمع أن يلمسها.
وهنا تصبح مسألة الكفاءة والخبرة مشروعة في النقاش العمومي، لكن تقييمها ينبغي أن يتم من خلال الحصيلة والقرارات والنتائج، وليس من خلال الألقاب أو السجالات الشخصية.
«مؤسسات الريادة» أمام أول اختبار حقيقي
تدافع وزارة التربية الوطنية عن الإصلاحات التي أطلقتها، وعلى رأسها مشروع «مؤسسات الريادة»، باعتباره أحد محاور معالجة التعثرات وتحسين التعلمات الأساسية.
لكن الوزارة نفسها أوضحت أن العينة المشاركة في PISA 2025 لم تكن من المؤسسات المنخرطة في مشروع «مؤسسات الريادة»، وهو ما يجعل النتائج الحالية أقرب إلى قياس أداء النموذج الذي سبق التوسع في هذا المشروع، وليس حكماً نهائياً على نتائجه.
وهنا تبرز نقطة مهمة: لا يمكن استخدام PISA 2025 لإثبات نجاح أو فشل «مؤسسات الريادة»، لأن المشروع لم يكن ممثلاً في العينة بالطريقة التي تسمح بهذا الاستنتاج.
لكن في المقابل، فإن النتائج تضع المشروع أمام تحدٍ واضح: إذا كانت المدرسة المغربية تعاني من هذه المستويات المرتفعة من التعثر، فإن أي إصلاح جديد سيُقاس في النهاية بقدرته على تغيير هذه الأرقام، وليس بعدد المؤسسات التي تحمل اسم «الريادة».
المشكلة ليست في التلميذ وحده
من الخطأ تحميل التلميذ أو الأستاذ وحده مسؤولية هذه النتائج.
عندما يصبح أكثر من سبعة تلاميذ من أصل عشرة دون المستوى الأساسي في المجالات التي يقيسها الاختبار، فإن الحديث ينبغي أن ينتقل من المسؤولية الفردية إلى مسؤولية المنظومة.
فالنتيجة النهائية تتأثر بالمناهج، وطرق التدريس، والتكوين المستمر للأطر، وظروف العمل، والاكتظاظ، والموارد المتاحة، والبيئة الأسرية والاجتماعية، وطريقة تقييم التعلمات، والاستمرارية في تنفيذ الإصلاحات.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من نلوم؟
بل: لماذا تفشل الإصلاحات المتعاقبة في تحويل المدرسة المغربية إلى مدرسة تضمن الحد الأدنى من التعلمات الأساسية لأغلبية التلاميذ؟
الأرقام الدولية لا تحتاج إلى تبرير سياسي
صحيح أن نتائج PISA 2025 أظهرت تراجعاً في عدد من الدول، خصوصاً في الرياضيات والقراءة، وهو ما يؤكد وجود أزمة تعليمية ذات بعد دولي.
لكن المقارنة الدولية لا تلغي خصوصية الحالة المغربية.
فمتوسط OECD في 2025 بلغ 482 نقطة في العلوم، و463 في الرياضيات، و461 في القراءة، مقابل 358 و355 و321 نقطة للمغرب على التوالي.
الفارق هنا ليس تفصيلاً صغيراً يمكن تجاهله.
إنه فارق يعيد طرح سؤال جودة المدرسة المغربية، ويجعل الإصلاح التعليمي أمام ضرورة الانتقال من مرحلة تشخيص الأعطاب وإطلاق البرامج إلى مرحلة قياس النتائج ومحاسبة المسؤولين عنها.
الامتحان الحقيقي يبدأ الآن
يمكن للوزارة أن تفسر تراجع النقاط، ويمكنها أن تشير إلى الإرث المتراكم للنموذج السابق، كما يمكنها أن تستند إلى التراجع العالمي الذي سجلته نتائج PISA.
لكن كل ذلك لا يغير حقيقة واحدة: التلميذ المغربي هو الذي يوجد في نهاية السلسلة، وهو الذي يدفع ثمن أي خلل في بدايتها.
ولهذا فإن نتائج PISA 2025 ينبغي ألا تتحول إلى معركة سياسية عابرة بين مؤيدي الوزير ومعارضيه.
المطلوب هو تحويلها إلى جرس إنذار وطني.
فإذا كان أكثر من 73% من التلاميذ دون المستوى الأساسي في المجالات الثلاثة مجتمعة، فإن السؤال لم يعد متعلقاً بصورة المغرب في تصنيف دولي، وإنما بمستقبل جيل كامل.
والرهان الحقيقي على «مؤسسات الريادة» لن يحسمه الخطاب الرسمي ولا الانتقادات السياسية، بل ستحدده نتائج التلاميذ في الاختبارات المقبلة.
هناك، في ورقة الامتحان، ستظهر الإجابة الحقيقية عن سؤال إصلاح التعليم المغربي.
نتائج PISA 2025 تعيد وضع منظومة التعليم المغربية تحت المجهر، بعدما كشفت عن مستويات مقلقة في الرياضيات والقراءة والعلوم لدى التلاميذ المغاربة، مع تسجيل تراجع إضافي مقارنة بدورة 2022. وبينما تربط وزارة التربية الوطنية هذه النتائج بتراكمات النموذج التربوي السابق، فإن الأرقام تطرح في المقابل أسئلة صعبة حول حصيلة الإصلاحات المتعاقبة، ونجاعة السياسات المعتمدة، وقدرة المسؤولين عن القطاع على تحويل الوعود والمشاريع إلى نتائج ملموسة داخل الأقسام.
ويبقى السؤال الأكبر: متى ستتوقف أزمة التعليم في المغرب عن كونها ملفاً للتشخيص والتبرير، وتتحول إلى ورش تُقاس نتائجه بما يتعلمه التلميذ فعلياً؟