صادق مجلس النواب الإسباني، الخميس 10 شتنبر، على مشروع قانون يفتح الطريق أمام منح الجنسية الإسبانية لآلاف الصحراويين المولودين في الصحراء الغربية خلال فترة الإدارة الإسبانية، في خطوة من شأنها أن تضيف ملفاً جديداً إلى العلاقات المتوترة بين مدريد والرباط.
وحصل المشروع على 168 صوتاً مؤيداً مقابل 31 صوتاً رافضاً و145 امتناعاً، فيما يتعين أن يمر النص على مجلس الشيوخ قبل أن يصبح قانوناً نافذاً. وتشير تقديرات إعلامية إسبانية إلى أن عدد المستفيدين المحتملين قد يتراوح بين 70 ألفاً و110 آلاف شخص، مع إمكانية استفادة أحفاد بعض المستفيدين أيضاً وفق الشروط المحددة في النص.
خطوة تتجاوز ملف الجنسية
ورغم أن مؤيدي المشروع يقدمونه باعتباره «تصحيحاً تاريخياً» لوضع الصحراويين الذين عاشوا في المنطقة خلال الإدارة الإسبانية، فإن توقيته وسياقه السياسي يمنحانه أبعاداً تتجاوز مسألة الجنسية.
فالمشروع يمنح شريحة مرتبطة تاريخياً بالنزاع حول الصحراء وضعاً قانونياً جديداً داخل إسبانيا، من دون اشتراط الإقامة القانونية فيها وفق الصيغة التي أقرها مجلس النواب. كما يفتح الباب أمام انتقال هذا الحق إلى أبناء المستفيدين في حالات محددة.
ومن منظور الرباط، تكمن الحساسية الأساسية في أن الخطوة تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات المغربية الإسبانية توتراً جديداً، بعد أزمة سبتة الأخيرة، وفي ظل استمرار الخلاف حول الصحراء المغربية. وقد أشارت وسائل إعلام إسبانية ودولية إلى احتمال أن تزيد الخطوة من حدة التوتر مع المغرب.
كيف يمكن أن تستفيد البوليساريو؟
الخطر السياسي بالنسبة للمغرب لا يتمثل في الجنسية الإسبانية بحد ذاتها، وإنما في الطريقة التي يمكن أن توظف بها هذه الخطوة داخل النزاع.
فالجبهة الانفصالية المسلحة «البوليساريو»، المدعومة من الجزائر، تجعل من الهوية الصحراوية المنفصلة عن المغرب محوراً أساسياً في خطابها السياسي. ومن شأن منح الجنسية الإسبانية على أساس الانتماء إلى فئة مرتبطة تحديداً بفترة الإدارة الإسبانية للصحراء أن يوفر للجبهة وأنصارها مكسباً سياسياً ورمزياً يمكن تقديمه على أنه اعتراف أوروبي منفصل بالهوية الصحراوية.
كما يمكن للبوليساريو استثمار القرار في تعزيز حضورها السياسي والإعلامي داخل إسبانيا، خصوصاً أن المبادرة قادتها نائبة من أصل صحراوي، هي تيس سيدي، عن تحالف «سومار»، وأن الخطوة قُدمت داخل البرلمان الإسباني باعتبارها استعادة لحقوق تاريخية للصحراويين.
لكن من المهم التأكيد أن القانون لا يمنح الجنسية للبوليساريو كتنظيم، ولا يعترف رسمياً بها ممثلاً للشعب الصحراوي، ولا يعلن استقلال الصحراء الغربية. كما أن النص، بحسب التقارير الإسبانية، لا يغير الموقف القانوني من النزاع الترابي في حد ذاته.
الخطر الأكبر.. خلق امتداد سياسي داخل أوروبا
وتبرز حساسية أخرى في إمكانية نشوء كتلة أكبر من المواطنين الإسبان من أصل صحراوي، وهو ما قد يمنح قضية الصحراء حضوراً إضافياً داخل الحياة السياسية الإسبانية والأوروبية.
فالحصول على الجنسية الإسبانية يعني التمتع بالحقوق المرتبطة بها، بما فيها المشاركة في الحياة العامة وفق القواعد الإسبانية، وهو ما قد يخلق على المدى البعيد مساحة سياسية جديدة أمام التيارات المؤيدة للبوليساريو للدفاع عن أطروحتها داخل المؤسسات الأوروبية.
وهنا تحديداً يمكن أن يتحول القرار من ملف قانوني يتعلق بالجنسية إلى ورقة سياسية قابلة للاستثمار في الصراع حول الصحراء.
ضربة للتفاهم المغربي الإسباني؟
وتأتي هذه الخطوة بعد التحول الكبير في الموقف الإسباني من قضية الصحراء سنة 2022، عندما أعلنت حكومة بيدرو سانشيز دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي واعتبرته أساساً جاداً وواقعياً وذا مصداقية لحل النزاع.
وقد ساهم ذلك التحول في تحسين العلاقات بين الرباط ومدريد بعد سنوات من التوتر، قبل أن تعود العلاقات إلى واجهة الخلافات خلال الأزمة الأخيرة المرتبطة بسبتة.
ولهذا، فإن تمرير مشروع الجنسية في هذا الظرف يحمل رسالة سياسية مقلقة بالنسبة للمغرب، حتى وإن كانت الحكومة الإسبانية والأحزاب المؤيدة للمشروع تنفي وجود ارتباط مباشر بين النص والخلافات الحالية مع الرباط.
القانون لم يصبح نافذاً بعد
ورغم تصويت مجلس النواب، فإن الحديث عن «منح الجنسية» بشكل نهائي سابق لأوانه. فالمرحلة المقبلة تتمثل في عرض النص على مجلس الشيوخ الإسباني، قبل أن يستكمل المسار التشريعي ويدخل حيز التنفيذ.
وبالتالي، فإن التطور المؤكد حالياً هو أن البرلمان الإسباني أعطى الضوء الأخضر لمشروع يفتح مساراً استثنائياً للحصول على الجنسية لفئة محددة من الصحراويين وأبنائهم، وليس أن جميع المعنيين حصلوا بالفعل على الجنسية الإسبانية.
الخطوة لا تعني اعتراف إسبانيا باستقلال الصحراء أو اعترافاً رسمياً بالبوليساريو، لكنها تمنح القضية الصحراوية أداة قانونية وسياسية ورمزية جديدة داخل إسبانيا. وبالنسبة للمغرب، تكمن الخطورة في إمكانية توظيف هذه الأداة لتقوية خطاب الانفصال وتوسيع حضوره داخل المؤسسات الإسبانية والأوروبية، خصوصاً في ظرف تشهد فيه العلاقات المغربية الإسبانية توتراً متجدداً.